أمل بلا أوهام (2): أسئلة الانتخابات القادمة

١٣‏/٥‏/٢٠١٧

المصدر الأصلي

من أبرز مشاكل التيار الديموقراطي في مصر افتقاده لرؤية طويلة المدى، بحيث تنتظم أي أحداث، مُخططة أو مفاجئة، كتفاصيل في ذلك المسار الرئيسي، سواء كانت تصب في خدمته، أو تعرقله مؤقتًا.

حسب الدستور، تبدأ إجراءات انتخابات الرئاسة قبل انتهاء الفترة الرئاسية بـ120 يومًا، أي أنه يُفترض فتح الترشح في مارس 2018. بعد نحو عشرة أشهر فقط سنشاهد تطبيقًا لما يعنيه الرئيس بوعده الأخير بالرحيل فورًا لو رفضه الشعب.

في هذه الورقة نحاول أن نطرح للنقاش مساهمة في بناء تصور لمسار مستقبلي، تكون فيه الانتخابات الرئاسية جزءًا من كل، وننوه أن الصياغة النهائية للورقة جاءت على إثر مناقشات كثيرة في مصر وخارجها ومشاركات في ورش عمل متعددة تضمنت سياسيين من أطراف مختلفة.

مبدئيًا، نعتقد أن الانتخابات بحد ذاتها لا تحمل دلالة حتمية؛ قد تكون أداة للتحول الديموقراطي، وقد تكون وسيلة ضغط ونضال، وأيضًا بالعكس، قد تتحول لأداة للتطبيع وللاستسلام بنتائج سلبية. هذا لا يتوقف فقط على أفعال النظام، بل يتوقف بدرجة أكبر على أسلوب إدارة المسار؛ بجدية ووعي، أم بعشوائية وعبث؟

في البداية نحتاج لاستعراض الواقع الصعب الذي ننطلق منه، ومن المؤسف أن بعضنا لا يزال يفكر أو يتعامل كأننا في 2011 أو حتى 2014.

أولًا، على الصعيد الداخلي:

– تعاني كل الأحزاب والحركات السياسية من تراجع هائل بأعداد العضوية النشطة، وبإمكانياتها المالية والتنظيمية. على حد تعبير اثنين من قيادات الأحزاب «لم نشهد مثل هذه الحالة أبدًا حتى في جمود التسعينات بعهد مبارك، لا نجد إيجار مقراتنا، لا نجد أعضاء للترشح». هزيمة ثقيلة.

– جانب من التراجع بسبب مناخ الإحباط العام، وجانب منه بسبب ضربات أمنية، حيث شهد العام الأخير موجة من القبض على الفاعلين حركيًا من منازلهم، على عكس النمط السابق، حين كانت الضربات ميدانية ضد من ينزل المظاهرات.

كما أن جانبًا آخر هو أن أبناء جيل 2011، الذين كانوا وقتها طلابًا أو حديثي التخرج، قد تناقصوا بشدة؛ سافر كثيرون للخارج أو انشغلوا بأعمالهم وأسرهم، ولم يحدث إحلال للكوادر بالتشبيك مع الجيل الجديد الصاعد، رغم تقديمه بوادر إيجابية، كخسارة القوائم المدعومة حكوميًا لانتخابات الجامعات.

– رغم أن جزءًا من كتلة الدعم الشعبي المطلق لشخص الرئيس السيسي قد اهتزت بفعل الأزمة الاقتصادية، لكن لا يبدو أن هناك ميولًا لتكرار النزول الكامل للشارع، سواء بسبب سلبية نتائج الثورة، أو التخويف من الأسوأ، أو بسبب افتقاد الشعب لرؤية ممثل سياسي يحمل الأمل في البديل، وهو الدور الذي كانت تقوم به «الجمعية الوطنية للتغيير» على سبيل المثال.

– تتولى مؤسسة الجيش الحكم سياسيًا واقتصاديًا بشكل مباشر، ويختلف هذا تمامًا عن الأوضاع قبل ثورة يناير، حين كان الحكم بيد سياسيين حتى لو كانت لهم خلفيات عسكرية، كما جرى توسيع دوائر المستفيدين المباشرين بقطاعات الجيش والشرطة والقضاء، ولذلك لا يظهر صراع جذري يمكن النفاذ من ثغرة فيه، كما كان الوضع في 2011، حين حرص الجيش على الإطاحة بخطة التوريث عبر الانحياز للثورة وعزل مبارك.

وإن كان هذا لا يعني عدم إمكانية الاستفادة من مساحات تتيحها أزمات وخلافات داخل النظام، كالصدام مع القضاة وغيرها من الملفات.

ثانيًا: على الصعيد الخارجي:

– شهد العالم موجة صعود يميني على رأسها الرئيس الأمريكي ترامب، الذي كرر انتقاداته لطريقة إدارة أوباما لملف الربيع العربي. تفضل هذه الموجة دعم المستبدين، وتحمل نظرة استعلائية لشعوبنا.

– أثّرت الأوضاع الإقليمية بملفات سوريا والعراق وداعش بشكل سلبي. في 2011 تحرك المصريون حين رأوا أمامهم الأمل في تونس، بينما اليوم يرون أمامهم مشاهد الذبح والدمار في سوريا والعراق.

– ما حدث بسوريا رفع سقف الاحتمال الدولي، واليوم عاد أمر إسقاط نظام بشار نفسه ليصبح محل خلاف دولي، فما بالنا بالنظام المصري، الحمل الوديع، إذا قورن به.

– إقليميًا، قد يتذمر الداعمون الخليجيون بالسعودية والإمارات لسبب أو لآخر، لكنهم من ناحية لا يرون بديلًا يمكنهم التعامل معه، ومن ناحية أخرى، فأغلب أسباب الخلاف تتفق بها المعارضة مع النظام. لا أحد يريد إرسال الجيش إلى اليمن مثلاً.

– شرعية نظام السيسي ليست محل سؤال أصلًا ليدعي أحد أن بيدنا منحها أو نزعها، فهذا ليس نقاشًا نظريًا يفوز فيه صاحب المنطق الأقوى، بل هو واقع فاز به بالفعل من يمتلك أسباب القوة. شرعية السيسي ثابتة داخليًا بدعم أجهزة الدولة وقوتها، وبدعم قطاع شعبي، وشرعيته خارجيًا اكتملت؛ زيارات وصفقات على أعلى مستوى، سواء عن قناعة من التيار اليميني الصاعد، أو عن اضطرار من أوروبا التي يهمها استقرار مصر وعدم تصديرها للاجئين.

– بوضوح، هناك تراجع للقيود الدولية على القمع، لذلك فحتى لو حدث حِراك جديد متوسط الحجم بالشارع سيتجاوز العالم سحقه كما تجاوز سحق رابعة، إلا لو توسع خارج السيطرة بعد سقوط آلاف القتلى، وهو ما لا يتمناه أو يملكه أحد.

بسبب هذه العناصر السابقة لا يبدو أن تكرار سيناريو 2011 وارد في المدى المنظور؛ حتى وإن كانت مصر تظل تحتمل المفاجآت، إلا أن الظروف الخارجية والداخلية قد اختلفت.


يمكن استخدام أسئلة الانتخابات كمدخل لأسئلة المسار السياسي العام:

  • هل تشارك الثورة بالعمل السياسي؟
  • هل يمكن إسقاط النظام الدكتاتوري بلا ثورات؟
  • والتطبيق العملي: ما هو السيناريو الممكن لضمان الفوز أو الاستفادة منه؟

السؤال الأول، هل تشارك الثورة بالعمل السياسي؟

الإشكالية الأولى والأهم بهذا السؤال هي أنه لا يزال يُطرح أصلًا في 2017، رغم أن حالة الثورة قد ماتت وشبعت موتًا بالفعل. الثورة اندلعت منذ ست سنوات!

وإذا كان الجميع يردد أننا عدنا إلى عصر أسوأ من مبارك، فما الغريب في استعادة أدوات السياسة المغلقة بعصره؟

الإشكالية الثانية هي افتراض أن هناك أصلًا قدرة على الاختيار! لا يوجد من يملك قرار نزول أو عدم نزول الملايين. شهدت 2011 لحظة توافق «المزاج الشعبي العام» لأسباب داخلية وخارجية، ولم يكن دور السياسيين أكثر من تهيئة الأجواء ثم الشرارة. لا يمكن الاكتفاء بالانتظار.

الإشكالية الثالثة هي افتراض أن مكسب العمل السياسي يجب أن يتمثل في النتائج.

علينا أن نتذكر أن الإخوان شاركوا فرديًا بالانتخابات منذ عام 1976، وكجماعة منذ 1984، ولولا هذا التاريخ الطويل من المشاركة تحت أنظمة دكتاتورية بانتخابات غير نزيهة لما أمكن بناء التنظيم (فرز القيادات الطبيعية، تدريب الكوادر ..إلخ)، وبناء خبرة آلته الانتخابية بتفاصيلها المعقدة. هذا مكسب ضخم في حد ذاته، وهو أحد الأسباب التي أهّلت الإخوان حين أتت اللحظة المناسبة لتصدر المشهد.

الإشكالية الرابعة هي المزايدة باعتبار السياسة أقل ثورية.

في الواقع، فالعمل السياسي الجاد تحت الدكتاتورية يتحول إلى نضال، انتخابات مبارك كانت تشهد مواجهات عنيفة، كما كان الثمن يُدفع سجونًا مدنية ومحاكمات عسكرية.

الإشكالية الخامسة هي افتراض أنه يجب الحصول على مكسب كامل، وكأن مجرد تقليل الخسائر ليس مكسبًا.

السؤال الثاني: هل يمكن إسقاط الدكتاتورية بلا ثورات؟

الإجابة هي: نعم، ولكن..

نعم، أسقطت الانتخابات والمقاومة السلمية عشرات الأنظمة الأكثر دموية وفسادًا. الجنرال بينوشيه الذي حكم تشيلي لـ17 عامًا، قتل وعذب خلالها عشرات الآلاف، ونفى نصف مليون مواطن من إجمالي 11 مليون نسمة، سقط حكمه الرهيب بمجرد استفتاء، لا ثورة.

ولكن هذا بالتأكيد ليس حتميًا، ولا سهلًا، وإنما يحتاج لعوامل عديدة داخلية وخارجية، كما يحتاج لتنازلات مؤلمة.

يمكن تلخيص الوصفة من التجارب الدولية في هذه النقاط:

الخطوة الأولى، الهزيمة: يجب أن يوضع النظام تحت ضغط يهز شرعيته وشعبيته.

الخطوة الثانية، ضمانات نزاهة الانتخابات: نزاهة الانتخابات كالحرية، لا توهب بل تُنتزع انتزاعًا.

الخطوة الثالثة، تقديم البديل المقبول: يجب أن يكون البديل «غير خطير» بما يسمح باجتذاب بعض القوى المقابلة أو تحييدها.

الخطوة الرابعة، التفاوض والتنازل المؤلم: لا مثاليات في السياسة بل موازين قوى.


ثالثًا، ما هو السيناريو الممكن لنا لضمان الفوز أو الاستفادة منه؟

بدون آلة انتخابية تبلغ 16 ألف شخص على الأقل يوم الانتخاب، لا مجال للحديث عن منافسة أو ضغط أو حتى مراقبة جدية، وبدونها لا مصداقية لمن يدعي تزوير الانتخابات.

نحتاج لغطاء سياسي جديد جذاب لملايين الغاضبين الجدد. بشكل مستقل، على كل حزب أن يجتهد في تغيير كل ما يمكن تغييره، الأسماء والشعارات والوجوه.


في النهاية، نود التأكيد على أنه في الواقع المؤلم الحالي فخسارتنا متحققة بالفعل، سواء على المستوى الشخصي، حيث يُطارد ويُسجن شبابنا، أو على المستوى السياسي، أو على المستوى الوطني بما تعانيه مصر كلها، لذلك فإن محاولة تخفيف وطأة الهزيمة في حد ذاته أصبح مكسبًا.

وانتخابات 2018، أيًا كانت نتيجتها، لن تكون نهاية المسار لو جرى التعامل معها بجدية، فالحملة والنشاط السياسي المصاحب لها قد يمثلان نواة لحِراك بالشارع أو بالانتخابات، وسيفيدان بالتحضير لانتخابات البرلمان أو المحليات، وبإنعاش قواعد الأحزاب، وربما المشاركة بانتخابات الرئاسة 2022 أيضًا، وما بعدها كذلك، فلا يأس مع السياسة.

لا أوهام بحل سحري قريب، ولا أحد يملك إجابات كاملة، ولا أحد يعرف هل الانفراجة قادمة بعد عام أو عشرة أو خمسين، لذلك فليس من المنطقي اليقين بالنصر النهائي أو الهزيمة النهائية. وإذا كانت الاحتمالات مفتوحة، فلنفعل ما بيدنا بناء على المعطيات الموجودة. لم ننتصر ولم ينتصروا ولم يُهزم الأمل.


هذا المقال جزء ثان وتالٍ لمقال أول نشر في موقع «التحرير» الإلكتروني بعنوان «أمل بلا أوهام.. 10 علامات قبل التغيير القادم في مصر».


← العودة للمقالات