أما شعب 25 يناير فهو الشعب الفاعل، الشعب الذي يهتف بنفسه قائلاً أنه (يريد) كذا، الشعب الذي سبق الجميع، سبق جيشه وكل نخبه السياسية وحتى توقعات عالمه أجمع، وساعد على ذلك أن عهد احتكار الصوت قد انتهى إلى الأبد، فقد منحت التكنولوجيا من انترنت وقنوات فضائية وهواتف محمولة أفقا واسعاً لغاية في توصيل المعلومات خارج إعلام السلطة الرسمي، وفي تنظيم التحركات المعارضة، فالآن يمكن في بضعة أيام فقط تنظيم مظاهرة كبيرة عبر (ايفنت) على (الفيس بوك) يحتشد لها الكثير ممن لا يعرف منظموالمظاهرة عنهم أي شيء، بعكس الوضع سابقاً عندما كان الإبلاغ يتم بشكل فردي شخصي بحت.
وفي كلا الحالتين كان الشعب هو ذلك المسكين المتعب، الذي أرهقه نهب الإقطاعيين في الأولى، وفساد رجال الأعمال المحتكرين في الثانية، والذي غضب للإهانة الوطنية التي تعرضت لها بلده بهزيمة حرب فلسطين في الأولى، أو بانبطاح سياسة مبارك لأمريكا وإسرائيل في الثانية.
بين أعداء شعب 23 يوليو وأعداء شعب 25 يناير
لم يختلف اعداء الثورتين في جوهرهم وإن اختلفوا في صورتهم، فحل رجال الأعمال الذين جمعتهم شبكات مصالح هائلة مع رجال النظام القديم ومع القوى الدولية بممثليها من الشركات متعددة الجنسيات محل الإقطاعيين القدماء بما جمعهم أيضاً من مصالح مع رجال الملك ومع القوى الاستعمارية، هذه القوى التي بدلت شكل احتلالها من الاحتلال العسكري المباشر في الماضي إلى الاحتلال الاقتصادي والسياسي المستتر في هذا العصر.
بين عالم 23 يوليو وعالم 25 يناير
كان عالم ثورة يوليو عاملاً مساعداً لها، فهو العالم متعدد الأقطاب الذي يمكن استغلال تناقضاته لإيجاد حيز من الاستقلال وحرية الحركة لدى الدول النامية، وهكذا كان بإمكان عبدالناصر القيام بمناورات كلجوئه للاتحاد السوفيتي لتمويل مشروع السد العالي بعد رفض البنك الدولي أو كعقده صفقة الاسلحة الشرقية بعد رفض الغرب بيعه له.
بينما عالم ثورة يناير هو عالم أمريكا القطب الواحد، عالم الهيمنة الغربية الكاملة، رغم محاولات الصين وروسيا ايجاد شروخ في هذا الصرح فمازال من الصعب الفكاك منه.
بين قيادة 23 يوليو وقيادة 25 يناير
ربما كان هذا هو سبب الاختلاف الأبرز بين مساري الثورتين، فثورة يوليو وصل قادتها إلى الحكم فوراً ليكونوا في موضع مسئولية تنفيذ شعاراتهم، وهكذا كان قادة الثورة هم أنفسهم حكام البلد وهم أيضاً رموزها!
أما ثورة يناير فكانت بلا قائد محدد، لعب السلوك الجمعي للشعب كله هذا الدور، ولكن رغم كون هذا وضعاً ممتازاً للعمل الميداني فلا أحد يملك إعطاء الأمر بفض الميدان وإنهاء الثورة، فقد كان وضعاً سيئاً للعمل السياسي ، ففي غياب قادة للثورة تسلم الحكم جزء من النظام القديم هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن بعده عبر الانتخابات تسلمه جزء من المعارضة القديمة، بينما على صعيد آخر تمكنت الثورة من إفراز رموزها الخاصة المستقلة تماماً عن هذه المنظومة، وهكذا فرضت الثورة على الفضاء العام أسماءاً كوائل غنيم ومينا دانيال والشيخ عماد عفت وأحمد حرارة ....الخ
بين ثورية 23 يوليو وإصلاح 25 يناير!
كانت ثورة يوليو - رغم أن إطلاق هذا الاسم عليها اتى متأخراً، وكانت تعرف باسم (حركة الضباط) او (الحركة المباركة) - ثورة حقيقة على كل الأصعدة أدت لقطيعة كاملة مع ما قبلها، تم تغيير الطبقة السياسية الحاكمة تماماً بكل مكوناتها من ملك وأحزاب موالية وأحزاب معارضة، تم تغيير السياسات الاقتصادية لتصبح منحازة للعمال والفلاحين والطبقة الوسطى وتم سحق الاقطاعيين بأشد الوسائل جذرية، ثم تغيير السياسات الخارجية لتتحول مصر المحتلة إلى الدولة القطب الحاضنة لحركات التحرر الأفريقية والعربية.
بينما تبدو ثورة 25 يناير حتى الآن إصلاحية بامتياز، لم يتغير واقعياً إلا أقل القليل، ومازالت مكونات النظام القديم لم تراوح مكانها إلا بنظام الكراسي الموسيقية ، المعارضة القديمة الإخوانية والمدنية تأخذ مجالاً أكبر قليلاً، (القلب الصلب) للدولة أي الجيش تتراجع مكانته قليلاً، وبالمثل رجال الأعمال مع احتفاظهم بمميزاتهم الهائلة، مصر الخارجية مازالت حليفة أمريكا وإسرائيل والخليج وعدوة إيران، مازال الشباب يتظاهرون للإفراج عن رفاقهم المعتقلين، ومازال العمال الفقراء يعتصمون من أجل حقوقهم .
مازال الطريق طويلاً ..